حسن بن موسى القادري
404
شرح حكم الشيخ الأكبر
عينان يرى بهذه هذا وبتيك ذاك ، فهو ذو عينين ومتكلم بلسانين ، بل هو أبو العيون وصاحب الفنون ولسان الظاهر يشهد له بالجنون . واعلم أن العلم والمعرفة والفهم في الاصطلاح على ما قاله المؤلف في ( فتوحاته المكية ) في الباب الأحد والأربعين وأربعمائة بمعنى واحد مع تميز ألفاظها ، فلا بد من تمايز مفهومها عند العارف بالحقائق ؛ لأن التجلّي لا يتكرر فبينها تميز في الدلالة كما في ألفاظها ، فالعالم يطلق على ما يطلق عليه العارف والفهيم وهما لا يطلقان على ما يطلق عليه العالم ، فإن الحق تعالى يطلق عليه العالم دون العارف والفهيم ، وقيل : إنها ألقاب الإنسان ، وقيل غير ذلك ، واللّه أعلم بما هنالك ، وقد علم من المذكور أن العالم أفضل من العارف سواء كان بالمسألة أو باللّه ، ولا يصح أن يقال العارف أفضل من العالم إلا إذا أريد العارف باللّه والعالم بالمسائل ، وإلا فالعالم باللّه أفضل من العارف باللّه ، كما أن العالم بالمسألة أفضل من العارف بها فافهم . ويؤيد هذا قول بعضهم : إن العلم في درجة الثمانين وأن الكرامة في الرابع عشر ، وإن الحق تعالى أمر إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم بطلب زيادة العلم فقال له : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] وما قال : معرفة ، وإنه تعالى أثنى على العالم أكثر من ثنائه على العارف ، ومن هنا قال الشيخ الأكبر في فتوحاته : ( أن من شاركه تعالى في الصفات أعظم عنده ) وأطال فيه ، فإن أردت التحقيق فارجع إليها في الباب المذكور منها . والأصل الرابع : ( المحب ) وهو اسم فاعل من أحبّه وهو قليل ، واسم المفعول منه وهو محبوب على خلاف القياس ، والحب بالفتح والكسر والضم ، والحبّاب بالثاني ، والثالث والمحبّة الوداد ، وجاء المحب بالكسر ، والحبة بالضم ، والحباب كذلك بمعنى المحبوب ، والحبيب باللام المحب وبدونها خمسة وثلاثون صحابيا وجماعة محدثون . وفي اصطلاح هذه الطائفة هو أي : المحب الذي أحب حبا صفاتيا أو أفعاليا أو ذاتيا ، والأول أعلى من الثاني ، والثالث أعلى منهما ( ما ) مفعول أحب : أي أحب الذي هو محتجب بشهوده عنه ، والحال إن الذي احتجب عنه ( وهو غيبه ) فلا يلتفت إلى الشواهد والظواهر ، وحصر نظره في الغوائب ، واستعمال ( ما ) في هذا المقام مجازا واختيارا لمذهب